السيد عباس علي الموسوي

500

شرح نهج البلاغة

( ثم منحه قلبا حافظا ) يفهم الأمور ويحللها ويقف على كل شاردة وواردة ويعرف مصادر الأمور ومخارجها ، بهذا القلب يجمع الحب والبغض ، والإقبال والإدبار به يستطيع أن يدرس الماضي ويعرف الحاضر ويطل على المستقبل . . . ( ولسانا لافظا ) هذه الكتلة اللحمية بها عرف هذا الإنسان وعن طريقها استطاع أن يوصل ما بيده وما عنده إلى الآخرين . . الكلام الذي تستطيع أن تحوّل به أمة إلى الإيمان كما تستطيع أن تخرجها منه ، . . بهذا اللسان تجرح عظيما وتسقطه عن مكانته وبه ترفع خاملا وتجعله سيد المواقف وزعيم العالم . . . بهذا اللسان تعلن الحرب على البشرية فتدمر كل ما قدمته حضارة الإنسان وتنسف له كل جهوده وبه تستطيع أن توقف حمامات الدم وتحول العالم إلى واحة سلام ومنطقة أمان وتبني الحضارات وتؤسس المؤسسات . . . ( وبصرا لاحظا ) بصرا يدرك الأمور وما يقع عليها . . بهذا البصر تكتشف طريق الحياة وتحدد الأمور وتشخصها وقد أعطى الإمام زين العابدين في رسالة الحقوق حق البصر وبين ما يجب له وما عليه وقد شرحنا هذه الرسالة المباركة وطبعت للمرة الخامسة . . . ( ليفهم معتبرا ويقصر مزدجرا ) أعطاه اللّه هذه الأمور من أجل أن يفهم بها الحياة ويعتبر من خلالها بما جرى وما يجري . . يتعظ بهذا العقل الذي يدرك الأمور ويحللها ويعتبر من خلال مشاهداته بهذا البصر وما يقع عليه من عجائب الصنع وغريب الأحداث ، يعتبر بما صدر عن العظماء من كلام وبما جرى على ألسنتهم من تعاليم وتشريع وعظات . . إنه أعطى ما أعطى من أجل أن يفهم الأمور ويعتبر بها ويمتنع عن القبائح ويكف عن ممارستها ويهجر المنكر ولا يقترب منه فعلا كان أم قولا أم موقفا وسلوكا . . . ( حتى إذا قام اعتداله واستوى مثاله ) أعطى اللّه هذا الإنسان ما أعطاه حتى إذا اكتملت فيه القوى وتناسبت مع بعضها وتساوت مع أجزائها فتمت خلقته بدون زيادة أو نقصان بأن بلغت الحد الأعلى من النمو الذي يجب أن تبلغه عندئذ كانت منه هذه الهفوات والانحرافات التي سيذكرها صلوات اللّه عليه وكأنه عليه السلام يريد مضمون وفحوى قوله تعالى : كَلّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رآَهُ الدالة على إن هذا الإنسان عندما اغتنى بقوته المادية بأن اكتمل في الجسم والقوة فيحاول أن يبرز عضلاته ويطغى على أقرانه ، وكذلك إذا استغنى بالمال يحاول أن يصرفه في معصية اللّه . . ، وإذا استغنى